ابن عرفة

158

تفسير ابن عرفة

تحصيل ذلك فأجزأ في الحال ، وإذا قال لنا : انفقوا كذا في كذا لا يمكننا إيقاعه ، إلا بعد تراخ ، فناسب دخول أن هنا مخلصة للاستقبال ، ومؤكدة له . قوله تعالى : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . إشارة إلى أن المال الذي عندهم إنما هو عارية فعليهم بإنفاقه في سبيل الخيرات ، لأنه زائل عنهم . قوله تعالى : لا يَسْتَوِي . الآية إن كانت نزلت قبل الفتح فواضح كونها تحريضا على الإنفاق ، والقتال في تحصيل ثوابها ، وإن كانت بعد الفتح ففهم كونها تحريضا فيه صعوبة ، بل المتبادر للمفهوم أنها تحرض على تلافي ما مضى ، فالجواب : أن الآية لما تضمنت تشريف القسم المقابل كان تحريضا ، إذ هم عام في البعدية إلى يوم القيامة أو مقابل قوله مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ، وهذه البعدية صادقة في سائر الأزمان فينبغي للمكلف تحصيل صادقيتها ليكون أحد المقابلين للأفضل ، ونص في الآية على نفي مساواة من جمع الوصفين ، قبل الفتح لفعل مثله بعده ، فمن أنفق قبله ، ولم يقاتل ، هل يساوي من قاتل بعده ولم ينفق ؟ لأن بذل النفس أعظم ثوابا من بذل المال ، فهل يعدل فضيلة ذلك فضل السبقية أولا فيه نظر ، فإن قلت : من في قوله مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ، وقوله مِنْ بَعْدُ لابتداء الغاية ، فهي لأول أزمنة القبلية والبعدية ، وتضمنت الآية نفي مساواة من أنفق في أول الأزمنة المتقدمة على الفتح ، لمن أنفق في أول الأزمنة المتأخرة عنه ، مع أن المساواة منتفية بين من أنفق قبله مطلقا ، وبين من أنفق بعده مطلقا ، فالجواب : أن كل ما ثبت لأحد المتساوين ثبت للآخر ، ومن إنما دخلت لتأكيد معنى السبقية ، وهذا يقع في القرآن على وجهين ، فتارة تنفي المساواة ويعين وجه المفاضلة بينهما كهذه الآية ، وكقوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [ سورة الحشر : 20 ] ، وتارة لا يعين وجه التفاوت بينهما ، كقوله تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ سورة المائدة : 100 ] ، وقوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [ سورة فاطر : 19 - 21 ] ، الفخر في المحصول : قوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ سورة الحشر : 20 ] ، لفظ المساواة بينهم في الآية مطلق ، فهو أعم من عدم استوائهم في الأحكام الأخروية من النعم والعذاب ، أو في الأحكام الدنيوية من القصاص ، والإجرام وغيره ، والأعم لا شعار له بالأخص ، وبنى عليه مساواة الكافر للمؤمن في